الشيخ محمد النهاوندي

289

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

صالِحَيْنِ كاملين في العبودية وحسن الأعمال والأخلاق ، وفي تصرّفهما وتربيتهما وحكمهما المقتضي لصيرورتهما مؤمنتين صالحتين فَخانَتاهُما بإفشاء سرّهما عند الكفّار ، كما كانت عائشة وحفصة تحت تربيتك وحلمك المقتضي لكونهما صالحتين ، ومع ذلك خانتاك بإفشاء سرّك فَلَمْ يُغْنِيا ذلكما النبيان المرسلان مع عظم شأنهما عَنْهُما بحقّ النكاح والصّحبة مِنْ عذاب اللَّهُ ونكاله شَيْئاً يسيرا من الإغناء ، فشملهما عذاب الاستئصال في الدنيا بأنّ هلكت إحداهما بالغرق بالطّوفان ، والأخرى بالصيحة ومطر الحجارة وَقِيلَ لهما عند موتهما أو يوم القيامة : يا زوجة نوح ، ويا زوجة لوط ادْخُلَا النَّارَ مَعَ سائر الدَّاخِلِينَ فيها من الكفار الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء . [ سورة التحريم ( 66 ) : الآيات 11 إلى 12 ] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 11 ) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 ) ثمّ بيّن سبحانه حسن حال المؤمنات اللاتي لا وصلة بينهنّ وبين الأنبياء ، بل كنّ تحت أشقى الأشقياء بقوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا وبيّن حسن حالهم الغريبة بتذكيركم حال آسية ، مع أنّها كانت امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ الذي ادّعى الألوهية وعارض موسى بن عمران ، فلم يضرّها صحبة زوجها الكافر ، وصبرت على اذاه إِذْ قالَتْ وحين دعت ربّها لمّا ابتليت بعذاب فرعون وأذاه بقولها : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ وفي جوار قربك بَيْتاً ومنزلا فِي أعلى درجات الْجَنَّةِ لإيماني بك وبرسولك موسى وَنَجِّنِي مِنْ صحبة فِرْعَوْنَ وعذابه وَ من عَمَلِهِ الباطل ، وكفره بآياتك وَنَجِّنِي يا ربّ وخلّصني مِنْ ظلم الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ على أنفسهم وعلى عبادك المؤمنين . روي أنّه لمّا غلب موسى السّحرة آمنت آسيه بنت مزاحم زوجة فرعون بموسى بن عمران . قيل : كانت عمّته ، فلمّا علم فرعون بإيمانها أمرها بالرجوع عن الايمان إلى الكفر فأبت عن ذلك ، فأوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد في حرّ الشمس ، فأمر اللّه الملائكة أن يظلّوها من الشمس بأجنحتهم ، فلمّا قالت : ربّ ابن لي عندك بيتا في الجنة ، رفعت الحجب ، فأراها بيتا في الجنة من درّة بيضاء ،